في قريةٍ نائيةٍ تُدعى كفرتبنيت، المعلّقة كحلمٍ هادئٍ على كتف جبل عامل، وبين ظلال أشجار السنديان وعبق التراب الرطب، ينتصب عرزالٌ خشبيٌّ بسيط، مطلٌّ على قلعة الشقيف، كأنما يحرس ما تبقى من ذاكرة الأرض. هنا، في هذا الركن المنسيّ من العالم، يجتمع خمسة رجالٍ طوتهم الحياة ببطء، لا لأنهم فشلوا في الركض خلفها، بل لأنهم اختاروا الوقوف خارج سباقها.
حول صوبا قديمة تنفث دفءَها الخجول، وبين أكواب شاي يغلي على سماور نحاسيّ، تتقاطع الأحاديث لا كما يفعل العوام، بل كما تتناثر النجوم في ليلٍ صافٍ: فلسفة، دين، سياسة، شكّ، إيمان، ومعرفة خارج السائد والمكرور. هم لا يسعون لفتوى، ولا لقرار، بل لسؤالٍ لا يُجيب عنه أحد، يظلّ معلّقًا في الهواء كما لو كان صلاةً سرّية.
ذلك العرزال ليس مجرّد مأوى، بل هو مساحة تفكير، مقام عزلةٍ، ومرآة لذواتٍ تبحث عن ذاتها. هو الصفحة البيضاء التي تكتب عليها أرواحهم أفكارًا لم يعد لها مكان في ضجيج المدن. هو المكان الذي لا يدخله إلا من لفظته الحياة أو من قرّر أن يلفظها.
- المجهول
